لقد شكلت هذه الأيديولوجيا التوراتية تبريراً للمذابح التي جرى ارتكابها بحق السكان الأصليين، وقد ارتكبت مذابح فظيعة تقشعر لها الأبدان ضد السكان الأصليين استخُدمت فيها كل وسائل الإبادة كالذبح والسلخ والحروب الجرثومية والحرق وعشرات الوسائل الأخرى.
فقديس الاستعمار البريطاني للعالم الجديد "كوتون ماذرز" مثلاً كان يعتقد أن الشيطان هو الذي استدرج الهنود للعيش في أمريكا ليخلو بهم بعيداً جداً عن المسيح والكتاب المقدس، لكن مكر الله أكبر، فقد عرف في النهاية مكان الشيطان وأرسل إليه وإلى أتباعه الهنود أقدس محاربيه، الانجليز، الذين استطاعوا بعون السماء أن ينشروا الأوبئة ويمجدوا الرب" (40: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، دار رياض الريس للكتب والنشر، ط1، حزيران 2002، ص57).
وقد شن الأمريكان على الهنود الحمر أكثر من 93 حرباً جرثومية شاملة منذ القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين، ومن هذه الحروب 41 حرب نشر مرض الجدري، و4 طاعون، و10 انفلونزا، 21 سل، ودوزنطاريا وكوليرا...الخ ( منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص57).
صحيح أن الأوبئة التي حارب بها الأوروبيون سكان أمريكا الأصليين أسقطت من القتلى أكثر مما أسقطت من القتل المباشر، ولكن المؤرخين لا يعلقون على مقتل 12 مليون إنسان على أيدي أبناء العالم الجديد من الأمراض وحسب بل يحاولون الإيحاء بأنها الهولوكوست أو أنها القضاء والقدر (نفس المصدر، ص55).
العالم الإنجليزي الموسوعي "توماس هاريوت" يقول: "هناك إرادة إلهية وراء هذا الموت بالأوبئة الفتاكة، ويا للمعجزة: إنها لا تقتل إلا الهنود. إن الله يعاقبهم بسبب عدوانهم على الانجليز" (نفس المصدر، ص56).
وعبارة العناية الإلهية التي استخدمها المستعمرون الإنجليز في القرن السابع عشر عندما قالوا: "أن هذه الأوبئة نعمة إلهية أرسلها الله لتطهير الأرض التي أعطاها لشعبه. ومنهم من اعتبرها، معجزة لا تقل جلالاً عن معجزة الأوبئة العشرة التي تروي الأساطير العبرية أنها فتكت بالمصريين... إلى آخر هذا التخريف" (نفس المصدر، ص153).
لم يكتفِ الغزاة الانجليز بأن وظفوا ربهم في حروبهم جندياً مهووساً بالقتل والجريمة يتقدم عساكرهم ومستوطنيهم، بل تعمدوا أيضاً أن ينسبوا إليه كل رذائلهم ومذابحهم وفظاعاتهم التي استمرت في زمن السلم وزمن الحرب، مع المحترفين، ومع الهواة، وبشكل جماعي منظم أو شكل فردي يتولاه المستوطنون. فاتهام العناية الإلهية بهذه الحرب الجرثومية، ثم الادعاء بأن ما حدث كان "مأساة مشؤومة يؤسف لها" لا يهدف إلى تبرئة أنفسهم وحسب، بل يهدف في سياق طقوس عبادة الذات إلى التبجح بأنهم أنبل من ربهم الذي ارتكب كل هذه الجرائم (نفس المصدر، ص57).
ويقول منير العكش: "منذ أربعة قرون وهم ينهشون أجساد الهنود ويشبهونها بأجساد الكنعانيين التي أحل الله لشعبه أن يفعل بها ما يشاء. كانوا يتفننون في أنواع الأوبئة التي يقتلون بها هؤلاء الكنعانيين الحمر. أكثر من 93 حرباً جرثومية شاملة شنوها عليهم منذ أن وطأت أقدامهم صخرة بليموت المقدسة في القرن السابع عشر حتى القرن العشرين" (نفس المصدر، ص54).
ولم تقتصر حروب الإبادة على نشر الأوبئة بل تعدتها إلى ما هو أفظع فقد كانوا يسلخون ضحاياهم بأسنانهم أو يتهادون في المناسبات والأعياد جماجم ضحاياهم وفروات رؤوسهم أو ينزعون الجنين من بطن أمه ويغطسونه بالماء المقدس لتعميده ثم يخبطون رأسه بالجدار ويسحقونه، أو يقتلون البشر ترفيهاً عن النفس ثم يسلخون قتلاهم ليصنعوا من جلودهم مشاحذ لموسى الحلاقة أو يشوون البشر ويأكلون بطاطا مطبوخة بشحمهم، أو ترصد حكوماتهم جوائز لسلخ فروات الرؤوس أو يسلقون رؤوس قتلاهم في القدور ويصنعون منها حساء، أو يتلذذون بأكل أكبادهم، أو يقتلعون فروج النساء ويشدونها على سروج خيولهم أو قبعاتهم، أو يصنعون من ذكر الرجال أكياس تبغ (نفس المصدر، ص86).
فهذا جورج واشنطن، التي تظهر أيقونته المقدسة على ورقة الدولار وتخلده آلاف التماثيل وعشرات المدن الأمريكية من العاصمة في الشرق إلى ولاية واشنطن في أقصى الغرب، يأمر قائده العام في الحرب على هنود الأروكوا بأن يدمر كل ما يجده على وجه الأرض، ويحضه على أن يصم أذنيه عن نداءات السلام أو الرحمة قبل أن تصبح أرض هنود الأروكوا قاعاً صفصفاً. وقد أطاع الجنرال جون سوليفان أوامر الرئيس واشنطن وكتب له لاحقاً يبشره بدمار كل شيء وبتحويل تلك الجنان الجميلة إلى قفار مخيفة، ثم يزف إليه أنباء القتل "لقد اصطيد الهنود كما تصطاد الوحوش في حرب إبادة واستئصال، وفعلاً فقد كان واشنطن يصفهم بالوحوش والذئاب ويقول أنهم لا يختلفون عنهم إلا في الهيئة. بهذه الخدعة العقلية التي انطلت عليها أولاً زاغ بصر هذا الفوهرر الأمريكي المقدس فلم يعد يستطيع أن يرى في الهنود بشراً، وتحجرت مشاعره الإنسانية فلفظت عنها كل معاني الشفقة ووخز الضمير أمام قتل الهنود أو تدميرهم أو تحويل جنانهم إلى قفار مخيفة، وكان واشنطن يسمى بهدام المدن حيث هدم في أقل من خمس سنوات 28 مدينة هندية من أصل 30 من مدن هنود الأروكوا (نفس المصدر، ص96).
أما الرئيس أندرو جاكسون الذي تزين أيقونته المقدسة ورقة العشرين دولاراً كان يتباهى بالقول أنه يسلخ جلود كل من يقتلهم ويحتفظ بها، وأنه سلخ جثث مئات الهنود وجدع أنوفهم ودبغ جلود أجسادهم لجعلها أعنة للخيول. كان هذا القديس الأمريكي يأمر القوات الأمريكية بقتل كل نساء الهنود وأطفالهم والبحث عنهم في مخابئهم لاستكمال هذه الإبادة (نفس المصدر، ص68).
أما توماس جفرسون فكان يأمر وزير حربه بأن يسحق كل هندي يرفض التوسع الأمريكي وأن يستخدم البلطة في ذلك، وكان يقول: "لن نرفع هذه البلطة عن رؤوسهم حتى يبادوا عن بكرة أبيهم أو يرحلوا إلى ما وراء الميسيسبي" (نفس المصدر، ص70).
ويروي مؤلف الهولوكوست الأمريكي "دافيد ستانرد" قصصاً مؤلمة عن مذابح النساء والأطفال التي ارتكبها الرئيس "أندرو جاكسون" لاستكمال مهمة الإبادة، فبذلك يتحقق أحد أركان فكرة أمريكا الثلاثة، احتلال الأرض، واستبدال شعب بشعب، وثقافة وتاريخ بثقافة وتاريخ (نفس المصدر، ص54).
ويرى ستانرد أن نسبة الإبادة كانت بين 92 و93 بالمائة من سكان الأمريكيتين. إنها بتعبيره "أكبر حرب إبادة في تاريخ العالم" ( نفس المصدر، ص139).
هناك نوع من السرد السحري لخرافتي "الشعب المختار" و"القدر المتجلي" يتحكم بفهم الأمريكيين لتاريخهم ولسيرورة هذا التاريخ، ترثها أجيالهم عن بعضها منذ موجات الغزو الأولى (53: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص67).
وكأن فكرة أمريكا لم تكن كافية لتبرير الإبادة في عيون هؤلاء المحتلين العنصريين حتى تردفها عقيدة القدر المتجلي التي جندت القدر وأسلحة القدر في حروب المستوطنين الغزاة ومذابحهم (54: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص72).
لقد شحن القدر هذا السعار الاستيطاني بجشع وحشي إلى المزيد من القتل والمزيد من التوسع خاصة أن الانتصار في حرب المكسيك (1846-1848) زاد من القناعة بأن الولايات المتحدة يجب أن تصبح أكبر من الأرض نفسها أو كما عرفها آرثر بيرد عام 1899 بأنها ستكون بعد مائة عام جمهورية كونية يحدها من الشمال القطب الشمالي ومن الجنوب قارة الانتركتيكا القطب الجنوبي أما من الشرق فيحدها الإصحاح الأول من سفر التكوين، ومن الغرب يوم القيامة (55: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص73).
أما عالم الاجتماع الأمريكي "جورج فيتزهو" يقول: "إن القاصي والداني يعلم أن الانجليز أو الأمريكيين الذين استوطنوا بين الأعراق الوضيعة أصبحوا بسرعة سادة الأرض وأصحابها وراحوا بالتدريج يستأصلون السكان الأصليين فالهندي الأحمر كالكنعاني الفلسطيني المتوحش منذور للفناء والإبادة هنا عمل ضروري لا غبار عليه لأن القوي، حيثما كان، يبتلع الضعيف مثلما أن النبات والحيوان الأقوى يقضي على الأضعف، وإن قدر العرق الأنجلوسكسوني أن يلتهم الأعراق الأخرى. هذا ما ستفعله أمريكا في مكسيكو، وجنوب أمريكا وآسيا والمحيط الهادي بل وفي أوروبا. فعندما يتقدم العرق الأمريكي الذي يجري في عروقه أفضل دم، دم الانجلوسكسون - تتلاشى الأعراق الأخرى، لأن ذلك وعد إلهي" (56: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص83).
ولم يكتفِ شعب الله المختار بحروب الأوبئة والذبح والسلخ والذبح والتي أبادت طوال أربعة قرون عشرات الملايين من الهنود، بل انتهج سياسة تعقيم من تبقى منهم حتى تكتمل الإبادة الشاملة لعموم السكان الأصليين، ويبقى لتعقيم نساء السكان الأصليين داخل ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة، منزلة مقدسة في قلوب الشعب المختار تضرب جذورها في أعماق فكرة أمريكا نفسها. ليس من أجل الإبادة والاستئصال فحسب بل لأن الغزاة يرون في رحم المرأة الهندية مزرعة أبناء فهي التي تنجب الرجال، وتحول بذلك دون السيطرة على ما تبقى من الأرض وثرواتها في أيدي الهنود (نفس المصدر، ص53).
وبعد نصف قرن من غزو بلاد هنود ميامي وتأسيس مدينة انديانابوليس على أنقاض قراهم وحقولهم وقبور آبائهم، اكتشف الكاهن المستشرق "أوسكار مكولوش" في هذه المدينة ظاهرة اجتماعية غريبة جعلها مثلاً حياً على كل قبح، وشر، وفساد، وانحطاط، وعاهات عرفتها البشرية، وقد أعانه اسم أهلها الغريب "قبيلة" "بن اشميل" على سكب المزيد من الحبر الأسود على الصورة الاستشراقية النمطية السائدة عن العرب والمسلمين .( نفس المصدر، ص37).
أوسكار مكولوش أثناء المؤتمر الخامس للإصلاحيات والجمعيات المنعقد في ولاية نيويورك في يوليو تموز 1888 أعد دراسة بعنوان "قبيلة إشميل دراسة في الانحطاط الاجتماعي
والتي وحشتهم وهمجتهم وشبهتهم بالطفيليات المائية التي تعيش على قشر السلطعون ، ومن ذلك الإيحاء بأن لقبيلة بن اشميل قرابة مع المسلمين أو العرب، لا سيما أن أسطورة هاجر الجارية "أم اسماعيل" وأولادها المنذورين للعبودية إلى يوم القيامة ما زالت تنخر اللاوعي الأمريكي بل والعربي المسكون بأساطير العبرانيين (61: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص39).
لقد كان "أوسكار بقولش" من رواد العنصرية الغربية فقد كان من رواد العنصرية العلمية في الولايات المتحدة وفارساً مجلياً من قرسان البيوريتانية والاستشراق والتشنيع بالعرب والمسلمين، فما أن اكتشف أن ضحاياه ينتمون إلى "بن اشميل" حتى أدرك أنه أمام الفريسة المشتهاة، إذ سرعان ما تحول "بن اشميل" إلى "ابن اسماعيل"، ومع إضافة لقب القبيلة إلى نسله وجد فن الشيطنة نفسه، في عراء صحراء العرب، وجهاً لوجه مع الجارية هاجر وذراريها الذين حقن الفوهرر السماوي في خلاياهم الوراثية ما قضي عليهم بالعبودية الأبدية لشعبه (62: منير العكش، أمريكا والإبادات الجماعية، ص40).
أمضى "بقولش" طيلة حياته في التشهير والتحقير والتحريض على هؤلاء الضعفاء، أو الحجر على حرياتهم وأرواحهم وأعضائهم التناسلية، حيث جرى تعقيم هذه القبيلة بالكامل، لذلك كانت "انديانابوليس" أول ولاية تسن قانوناً للتعقيم الإنساني، وأول مكان في الأرض تشهد تعقيماً جماعياً، وصارت بعد ثلاثة عقود نبراساً للنازيين الألمان (نفس المصدر، ص40).
فقد كان هتلر مفتوناً بعقيدة القدر المتجلي وبفعالية الحملة الإبادية لسكان أمريكا الأصليين، وكان يعتبرها مثالاً يحتذى في برنامجه العرقي ( نفس المصدر، ص34).
وقد استمرت عملية التعقيم لسنوات طويلة حتى سبعينيات القرن العشرين حيث شمل التعقيم 50% من النساء الهنديات، وطوال أربعة قرون أدت وسائل القتل المختلفة إلى إبادة حوالي 400 شعب وأمة وهو ما يصل إلى أكثر من 112 مليون هندياً، ولعل أبلغ ما عبّر عن هذه الإبادة تلك الكلمة التي قالها الرئيس الأمريكي روزفلت سنة 1869: "لن تنتصر قيمنا الحضارية ما لم نتحلى بالأخلاق البريرية" وهذه هي الأخلاق البريرية التي أوحت لهتلر بارتكاب مذابحه وإباداته أثناء الحرب العالمية الثانية (نفس المصدر، ص74).
وفي هذا يقول المؤرخ الأمريكي "دافيد ستانرد": "لو أن هتلر بحث عما يعزز أفكاره وبرامجه ويبررها لما وجد أفضل من تبريرات البيوريتانس "الغزاة الانجليز" التي نسبوها إلى السماء وهي بالطبع مستمدة من تبريرات العبرانيين لقتل الكنعانيين واغتصاب بلادهم وأبدوا بها سكان أمريكا الأصليين (نفس المصدر، ص74).
لقد كان الهولوكوست الأمريكي وما زال هو الأكثر دموية على مدى التاريخ البشري المعروف، وهو المثال الذي استعار النازيون أخلاقه وكثيراً من مبرراته وأسلحته، كما استعار الغزاة الانجليز قبلهم شيئاً من أساطير العبرانيين (نفس المصدر، ص77).

